مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
223
تفسير مقتنيات الدرر
في الآية بيان لمفتريات الأحبار على الأنبياء حيث قالوا : إنّ عيسى عليه السّلام أمرنا أن نتّخذه ربّا حاشاه عليه السّلام وجاء رجل من المسلمين فقال : يا رسول اللَّه نسلَّم عليك كما يسلَّم بعضنا على بعض أفلا نسجدك ؟ فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : معاذ اللَّه أن تعبد غير اللَّه ونأمر بعبادة غير اللَّه أي ما صحّ وما استقام لأحد سواء كان بشرا أولا وإنّما قيل : « بشرا » إشعارا بعلَّة الحكم فإنّ البشريّة منافية لهذا الاسناد الَّذي أسنده الكفرة من النصارى وهو إسناد الربوبيّة إليه . وحاصل معنى الآية أنّه ليس لبشر بعد أن آتاه اللَّه وأعطاه * ( [ الْكِتابَ ] ) * الناطق بالحقّ مثل التوراة والإنجيل والقرآن * ( [ وَالْحُكْمَ ] ) * أي الفهم والعلم * ( [ وَالنُّبُوَّةَ ] ) * فالكتاب السماويّ والوحي ينزل أوّلا ثمّ يحصل في عقل النبيّ وإدراكه فهم ذلك الكتاب وأسراره ثمّ بعد الحصول يبلَّغ النبيّ ذلك المفهوم إلى الخلق وهو المراد بالنبوّة . * ( [ ثُمَّ يَقُولَ ] ) * ذلك البشر بعد هذه التشريفات * ( [ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّه ِ ] ) * وليس لأحد حقّ في هذا القول . قال الأصمّ : معنى الآية أنّه لا يتمكّن النبيّ بعد تحقّق نبوّته أن يقول : « لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي » فمعنى الآية مثل قوله « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ . . . لَقَطَعْنا مِنْه ُ الْوَتِينَ » « 1 » . * ( [ وَلكِنْ ] ) * يقول لهم * ( [ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ] ) * الربّانيّ منسوب إلى الربّ بزيادة الألف والنون كاللحيانيّ إذا وصف بطول اللحية ففيه الدلالة على الكمال في هذه الصفة وإذا نسب إلى اللحية من غير قصد المبالغة يقال : لحويّ فالربّانيّ هو الكامل في العلم والعلم الشديد التمسّك بطاعة اللَّه كما يقال رجل إلهيّ ، إذا كان مقبلا على معرفة الإله وطاعته . * ( [ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ] ) * أي كونوا ربّانيّين في علمكم ودراستكم وعلَّموا الناس ، وعلم الكتاب ودرسه يقتضي كونه ربّانيّا وتعلَّم الناس طريق الهداية فعلم الكتاب سبب لنهي الناس عن عبوديّة غير اللَّه فكيف يتصوّر أن يقول للخلق اعبدوني ؟ فهذا الَّذي يدّعونه النصارى غير واقع وكذب . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 80 ] وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) . عطف على قوله : « ما كانَ لِبَشَرٍ » أو على « ثُمَّ يَقُولَ » وصورة الكلام « ما كانَ لِبَشَرٍ »
--> ( 1 ) الحاقة : 48 .